ابن كثير
103
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فاستوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق . قال أيوب - أو قال حظّ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم « 1 » . كذا رواه أبو داود وفيه انقطاع . وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور عن معمر عن أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : قرأ عمر بن الخطاب إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ - حتى بلغ - عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثم قال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى [ الأنفال : 41 ] الآية . ثم قال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى - حتى بلغ - لِلْفُقَراءِ . . . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ - وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثم قال : استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا له فيها حق ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 11 إلى 17 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 11 ) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 12 ) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 13 ) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 15 ) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) يخبر تعالى عن المنافقين كعبد اللّه بن أبي وأضرابه حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر من أنفسهم فقال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي لكاذبون فيما وعدوهم به إما لأنهم قالوا لهم قولا ، ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به ، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه ، ولهذا قال تعالى : وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ أي لا يقاتلون معهم وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي قاتلوا معهم لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ وهذه بشارة مستقلة بنفسها ، وقوله تعالى : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ أي يخافون منكم أكثر من خوفهم من اللّه كقوله : إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [ النساء : 77 ] ولهذا قال تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ثم قال تعالى : لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ يعني أنهم من جبنهم
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الإمارة باب 19 ، والنسائي في الفيء باب 16 .